قراءة في مفهوم تعثر المساهمات العقارية وأسبابه


د. يوسف القاسم

توقفنا في المقال السابق عند مفهوم تعثر المساهمات العقارية, وهنا نقول: إن المساهمات العقارية المتعثرة هي: تلك الأموال التي ساهم بها الشخص في عقار ما, كأرض خام يراد تخطيطها وبيعها على سبيل التجزئة, أو يراد استثمارها ببنائها وبيعها كمساكن ونحو ذلك, ثم يفاجأ هذا المساهم بتعثر طارئ للمساهمة لا يعرف متى يزول, بحيث لا يتمكن من تحصيل حقوقه المالية من هذه المساهمة. وما دام أن الحكم الشرعي للزكاة منوط بوقوع التعثر, فلا بد من تحديد ضابط للتعثر, حتى نعرف متى نسقط هذا الحكم على هذا النوع من المساهمات, وقبل ذلك لا بد أن نبين أن هناك أنواعاً ثلاثة للمساهمات العقارية في المملكة:
1- المساهمات العقارية الواقعة ما قبل عام 1403هـ وهذه لم تحدد مدة تصفيتها من الجهات الحكومية ذات العلاقة.
2- المساهمات العقارية الواقعة ما بين عامي 1403 و1424هـ، وهذه قد حدد الأمر السامي مدة إنهائها, وذلك أن تصفى خلال مدة أقصاها ثلاث سنوات.
3- المساهمات العقارية الواقعة عام 1424هـ، وما بعدها, وهذه حدد النظام الجديد مدة التصفية, لكنه فرق بين مساهمات الأراضي وبين مساهمات الوحدات السكنية, فحدد الأولى بمدة أقصاها ثلاث سنوات, وحدد الثانية بمدة أقصاها سنتان من تاريخ إتمام البناء وتسلمه من المقاول.
وبعد بيان ما تقدم, كيف يمكن ضبط التعثر؟
الواقع أنه يفرق أولاً بين المساهمات العقارية القديمة الواقعة قبل عام 1403هـ وبين المساهمات الواقعة بعد هذا العام, فالمساهمات القديمة لم تحدد مدة التصفية بمدة معينة, وهنا هل يقال بوضع مدة محددة يضبط من خلالها الحكم بالتعثر؟ الحقيقة أنه لا يمكن ضبطها بفترة زمنية محددة؛ وذلك لعدم وجود نص من الشارع ولا من الجهات المختصة يحدد هذه الفترة, وفي الزمن القديم ذكر الفقهاء كلاماً حول بعض القضايا المتعلقة بالتعثر, فقد ذكر بعض فقهاء الحنفية أن مطل المدين يثبت بالتأجيل والمدافعة ثلاث مرات, والمماطلة شكل من أشكال التعثر في تحصيل الحق, وهو يشبه ما نحن بصدد الحديث عنه بوجه ما, كما ذكر بعض فقهاء المالكية أن الكساد أو البوار يحد بعامين, وهو شكل آخر أيضاً من أشكال التعثر, وحيث إن هذا التحديد لا دليل عليه, لذا, فالأظهر- والله أعلم - أنه يرجع في ضبط تعثر هذا النوع من المساهمات إلى العرف, كما هي القاعدة الشرعية في كل ما لم يأت النص بتفسيره كالحرز, والقبض, ونحو ذلك. وبالتالي فإن المساهم إذا لم يتمكن من تحصيل أمواله التي شارك بها في تلك المساهمات, وتكررت مطالباته بحقوقه المالية, ولم تجد تلك المحاولات بما يعد عرفا تعثرا, فإن مساهماته تلك تعد في حكم الذي تعثر تحصيله, وعند الشك في وقوع التعثر, فإن الأصل عدم وقوعه؛ لما تقرر شرعاً أن اليقين لا يزول بالشك.
أما المساهمات العقارية الواقعة بعد عام 1403هـ، فهذه لا يمكن أن يحكم بالتعثر فيها قبل مرور مدة التصفية؛ لأن للمدير أن يصفي المساهمة أول المدة أو آخرها بقوة النظام وإن كان كثير من المساهمين يجهل ذلك, فإذا انتهت هذه المدة, فإنه يلزم بإعادة كامل قيمة الأسهم المكتتب بها إلى المساهمين في مدة لا تزيد على 30 يوما من تاريخ إلغاء المساهمة, فإن مضت هذه المدة ولم يسدد, فإنه يحكم بالتعثر ولو كان عدم التصفية خلال تلك المدة بسبب خارج عن إرادة المدير؛ لأن المال لم يعد نامياً, ولا في حكمه. هذا هو ضابط التعثر.
أما بالنسبة لأسباب تعثر المساهمات العقارية, فقد حاولت استقراء هذه الأسباب, فتحصل لي جملة منها, يمكن تلخيص أهمها في النقاط الآتية:
1- تلاعب مؤسس المساهمة بأموال المساهمين, حيث يوهمهم أول الأمر أنه يريد فتح مساهمة في مخطط ما, ثم يقوم بتوظيف أموالهم في استثمار آخر غير معروف, وربما وظف جزءاً من أموالهم في هذا المخطط المعلن عنه, ثم يوظف الباقي في مجالات استثمارية أخرى مجهولة داخل البلد أو خارجه, كما يشهد الواقع بذلك في أمثلة كثيرة, وربما استثمر أموال المساهمين في مجالات بيع وهمية أو مشبوهة, مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعثر مفاجئ، لا يعرف سببه.
والأدهى من هذا أن يعمد بعض القائمين على المساهمات العقارية إلى تأخير إنجاز بعض الإجراءات النظامية الخاصة بالمساهمة؛ بهدف استثمار أموال المساهمين في سوق الأسهم أو غيره, وتحقيق مكاسب مادية من جيوب المساهمين في أسرع وقت ممكن!
2- تجميد تلك المساهمات العقارية من قبل الجهات الرسمية، وذلك للأسباب الآتية:
أ- مخالفات نظامية, ففتح المساهمة - مثلا - في أرض ما في المملكة, يتطلب تحقيق مجموعة من الشروط النظامية لفتح هذه المساهمة, ومخالفة هذه الشروط يوقع المساهمة برمتها في فخ التعثر, ومن هذه الشروط:
1ـ أنه لا يجوز طرح أي مساهمة عقارية من أي نوع أو الإعلان عنها إلا بعد موافقة وزارة التجارة والصناعة.
2- أن تكون الأرض محل المساهمة مملوكة بصك شرعي ساري المفعول, ومستوف للإجراءات النظامية.
3- أن يعتمد مخطط الأرض محل المساهمة من الأمانة, أو البلدية المختصة.
4- أن يعين لمراقبة المساهمة محاسب قانوني مرخص له.
5- أن يفتح للمساهمة حساب مستقل في أحد البنوك المحلية.
6- ألا تزيد مدة الاكتتاب على 90 يوما, وتلغى المساهمة إذا لم تغط كامل قيمة الأسهم خلال تلك المدة, ويتعين على المكتب إعادة كامل قيمة الأسهم المكتتب بها إلى المساهمين في مدة لا تزيد على 30 يوما من تاريخ إلغاء المساهمة.
7- أن تغلق المساهمة فور الاكتتاب بجميع الأسهم المطروحة للاكتتاب, وألا يتم تسلم مبالغ أكثر منها.
8- ألا تزيد مدة المساهمة عن ثلاث سنوات وأن تصفى المساهمة عن طريق بيع الأرض محلها في المزاد العلني, أما الوحدات العقارية فيجب أن تصفى خلال سنتين من تاريخ إتمام البناء وتسلمه من المقاول.
هذه بعض الشروط أو الضوابط التي يجب توافرها لطرح أي مساهمة عقارية في المملكة, والواقع يشهد أن كثيراً من المستثمرين أو أصحاب المكاتب العقارية يتحايل على هذه الضوابط النظامية, وللأسف أنه يجد أحياناً من يتآمر معه من بعض الجهات الرسمية, فتراه – مثلا - يعلن عن الأرض محل المساهمة في الصحف المحلية, وأنها مملوكة بصك شرعي رقم (...) وتاريخ (...), وهي كذلك مملوكة بصك شرعي, لكنها ليست مملوكة له, بل لغيره!
وأيضاً فإن نسبة كبيرة من المساهمات العقارية, قدرها بعض العقاريين بنسبة 90 في المائة لا تدفع قيمة الأرض فيها بالكامل, وإنما يدفع مؤسس المساهمة عربونا إلى مالك الأرض, لغرض إجراء المبايعة, ويشترط فيها المالك دفع باقي القيمة خلال مدة معينة, ومتى مضت هذه المدة يعتبر العقد لاغياً, ثم يقوم المؤسس بالإعلان عن هذه المساهمة, وهو لا يملك العقار, وبالتالي تكون المساهمة عرضة للتعثر متى ما عجز عن تسديد كامل المبلغ للبائع في المدة المحددة.
وقد تقع المخالفة للجهل بأنظمة طرح المساهمات العقارية, أو لصدور نظام لاحق يوقع المساهمة في فخ المخالفة؛ لوجود بعض الثغرات في الأنظمة ذات العلاقة, وذلك كطرح مساهمة في أرض معينة, ثم يتبين بعد جمع أموال المساهمين أنها خارج النطاق العمراني, مما لا يمكن القائمين على هذه المساهمة من تخطيطها وتقسيمها, وبهذا تتعثر المساهمة؛ لأنه لا يسمح ببيعها إلا كأرض خام, وبهذا يكسد هذا العقار, ويماطل القائمون عليه في بيعه؛ لما سيحققه من خسائر لو عرض للبيع.
ب- تظلم بعض المساهمين لدى الجهات المختصة ضد القائمين على تلك المساهمات, بسبب المماطلة في صرف مستحقاتهم المالية؛ لأسباب غير معروفة لديهم.
ج- ظهور خصومة في ذلك العقار, إما في ملكيته كله, وإما بعضه, مما يستدعي إيقاف العمل في تلك المساهمة، حتى تفصل الجهة القضائية لصالح المساهمين, أو ضدهم, وكثيراً ما يقع النزاع في الملكية بسبب تداخل صكوك الأراضي المطروحة للمساهمة مع صكوك الأراضي المجاورة, وأحيانا يحصل النزاع بسبب وفاة مؤسس هذه المساهمة, فيقع المساهمون فريسة لمماطلة بعض الورثة أو لاختلافهم, وربما تطول الخصومة أرض المحكمة, مما يسهم في إطالة أمد التعثر.
3- عدم كفاءة بعض القائمين على هذه المساهمات, ودخولهم غمار تجارة المساهمات العقارية دون سابق خبرة أو تجربة, ودون دراسة للجدوى الاقتصادية من هذه المساهمة أو تلك, فتطرح الأسهم بقيمة معينة, ثم يفاجأ ذلك المؤسس بارتفاع المصروفات الخاصة بتخطيط المساهمة, وما تحتاج إليه من خدمات, وشوارع, وأرصفة, وإنارة, وبنى تحتية, مما يكون سببا في عرض أراضي المساهمة بقيم مرتفعة, يرشحها للبقاء مدة طويلة دون بيع أو تصفية؛ لارتفاع القيمة إلى أسعار غير حقيقية, ولرفض القائم على المساهمة بيعها بسعر السوق ولو بخسارة, ومماطلته أصحاب الحق عاماً بعد عام, مما يطيل في مدة التعثر إلى أجل غير معروف. هذه أبرز أسباب تعثر المساهمات العقارية, وفي المقال المقبل نتحدث عن أهم الأحكام الفقهية المتعلقة بتعثر هذه المساهمات.

- عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء .

---

نُشر هذا المقال في صفحة التمويل الإسلامي يوم الأحد, 29 صفر 1428 هـ الموافق 18032007 م - العدد 4906 .

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • رقم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق



دور أسس الاقتصاد الإسلامي

ما دور أسس الاقتصاد الإسلامي في الوقاية من الأزمات المالية والاقتصادية ؟