محمد الشلفان
في كل مرة أحضر فيها مؤتمرا أو ندوة تناقش هياكل التمويل الإسلامي وصيغه، يخيّل إلي أن المصرفية الإسلامية بدأت للتو. جميع القضايا التي بت فيها سابقا عبر المجامع الفقهية أو اللجان المتخصصة، تقلب فوق الطاولة من جديد وكأن أي مؤتمر عن قضية من قضايا المصارف الإسلامية فرصة للنقاش حول أسس النظام المصرفي الإسلامي (القائم ( وليس حول سبل تحسين أداة من أدواته أو ضبطها.
أخيرا، حضرت ندوة عن الصكوك الإسلامية، حضرتها أسماء لامعة في الصناعة من علماء وباحثين ومختصين. ورغم عمومية الموضوع، حيث تشتمل الصكوك على عدد من الهياكل لا يمكن حصرها في ندوة واحدة، إلا أنني كنت أنتظر على الأقل أن تنحصر البحوث والمداخلات على الأمور التي تنفرد بها الصكوك الإسلامية عن غيرها من أدوات التمويل الإسلامي، التي لم يتم بحثها أو تفصيلها سابقا، مثل قضية تداول الصك والضوابط المتعلقة بذلك, أو نقاش يميز الصيغ التي يمكن تداولها، أو دراسة شرعية وقانونية حول الصكوك المتعثرة أخيرا في دبي .
وإذا بي أفاجأ بعد ذلك بنقاشات طويلة حول جزئيات لا تتعلق بالصكوك فقط, إنما تنطبق على جميع أدوات التمويل الإسلامي الموجودة في السوق منذ وقت طويل. حيث دار جدل فقهي طويل حول جواز الشراء وإعادة التأجير، وآخر حول جواز التعهد بشراء حصص المشاركة, وهما الأمران اللذان أشبعا نقاشا وجدلا وصدرت حولهما فتاوى وقرارات سابقة من عدة جهات معتبرة. ناهيك عن تشعب النقاش في بعض الأحيان ليمتد إلى صيغ لا يتم تطبيقها في الصكوك أصلا كالتورق على سبيل المثال. إذا ما استثنيت بعض البحوث والمداخلات التي كانت في صلب الموضوع، فان جل البحوث، ورغم الجهد الكبير المبذول فيها، كانت خارج دائرة موضوع الندوة، كما أنها سبق أن صدرت حولها قرارات وفتاوى من لجان معتبرة، وهو ما يعني أمرين يدركهما كل من يرى المشهد.
أولهما، أنه رغم احترام جميع العلماء والباحثين المجامع الفقهية واللجان المختصة، إلا أن الجميع لا يعد تلك المجامع واللجان سقفا في النقاش الفقهي، وهو ما يثبت عدم وجود قاعدة تنطلق منها المصرفية الإسلامية في المملكة تشريعيا، حيث يتم إفراغ الوقت والجهد في نقاش المناقش وفتح المغلق وإغلاق المفتوح، وهو ما يعني أن أرقام الصناعة في المملكة تتفوق كثيرا على أسسها التشريعية التي ما زالت تراوح مكانها، وهذا يدق ناقوس الخطر ويؤكد أهمية ما يذكره المختصون عن ضرورة وجود دور تشريعي مؤسساتي في قضية المعاملات الإسلامية المتعلقة بالبنوك داخل المملكة.
الأمر الآخر، وجود فجوة واضحة بين الشرعيين من خارج المصارف ومن داخله، ينتج عنه خلاف فقهي ( شبه دائم) تحويه قبة أية ندوة مصرفية إسلامية بغض النظر عن موضوع الندوة وعنوانها، وهو ما يعني أن الندوات أصبحت محلا لإعادة فتح الملفات المغلقة بدلا من المضي قدما في أفق جديدة . يزيد تلك الفجوة اتساعا الحضور الضعيف للمصرفيين والفنيين، وكأن النقاش حول الصيغ والهياكل أمر فقهي بحت.
والحقيقة أنني كنت متجاوزا ذلك كله على اعتبار ما اعتدت رؤيته في السنوات الماضية من خلاف فقهي طبيعي في جميع أمور المعاملات المالية- وكنت أعتبر ذلك أمرا صحيا - حتى استوقفتني جملة لزميل مصرفي كان يجلس إلى جواري مصادفة في الندوة ذاتها، وهو ينتسب إلى أحد المصارف الاستثمارية التقليدية, إلا أنه كان يعمل جاهدا في السنوات القلية الماضية على التحول نحو الصكوك بدلا من السندات, حيث فاجأني هذا الزميل قائلا: عندما أحضر مثل هذه الندوات أحس بأن جل ما أعمله خطأ - يقصد الصكوك - وأفكر في ترك هذا المجال كليا ! والله المستعان.