رأوا أن سلبيات نشرها محدودة جدا.. مختصون:
نشر فتاوى الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية يدعم مصداقية أعمالها وشفافيتها
عثمان ظهير من الرياض
يكاد يتفق المتخصصون والقائمون على المصرفية الإسلامية على أن الفتاوى الصادرة من الهيئات الشرعية تعد الموجه الأول لمسيرة المصرفية الإسلامية, وأنها كنز عظيم, كونها اجتهادا جماعيا في مسألة من أهم النوازل الفقهية، وتعد هذه الميزة إحدى أهم الميزات التي تتسم بها المصرفية الإسلامية كونها تفتح آفاق الاجتهاد أمام العلماء وتخرج بآراء فقهية مهمة، ومنذ فترة ليست بالوجيزة أدركت بعض المصارف الإسلامية هذا الأمر وعلمت قيمة هذه الفتاوى, لذلك اتجهت إلى نشرها وطباعتها لتبرهن أن أهدافها تتجاوز مجرد الماديات إلى أمور أسمى وأعلى تليق بالمصرفية الإسلامية، فظهرت على الساحة فتاوى البركة وقرارات هيئة الراجحي وفتاوى بيت التمويل وغيرها من المصارف التي حرصت على نشر فتاواها، على الطرف الآخر يرى بعضهم أن ذلك ليس من الأمور المطلوبة من المصارف, وأن تدخلها في جنب الأكاديمية والبحث ليس من صميم عملها.
عديد من المصارف والمؤسسات المالية تحرص على طباعة فتاوى هيئاتها الشرعية ونشرها.
حول هذا الموضوع استطلعنا رأي عديد من المتخصصين الممارسين والأكاديميين والمهتمين بالمصرفية الإسلامية:
بداية حول الموضوع قال الدكتور أشرف منيب مدير أكاديمية سبيل السنة العالمية: لا شك أن عبء نجاح منهج الاقتصاد الإسلامي يقع على عواتق المؤسسات المالية الإسلامية، وذلك إنما يكون بضبط خطواتها وتجلية فقه معاملاتها، وقامت بهذه المهمة هيئات الرقابة الشرعية, وذلك بحل الإشكالات ومعالجة المستجدات، وتقديم البدائل.
ومن الوسائل التي تستخدمها هيئة الرقابة الشرعية للقيام بهذه المهمة هي إصدار فتاوى متتابعة لتبيان الحكم الشرعي في معاملات المؤسسة, وأضاف منيب: وقامت بعض المؤسسات بطبع هذه الفتاوى فأصبحت متداولة بين أفراد المؤسسات المختلفة، فكانت إضافة علمية فقهية وفائدة عامة لمنهج الفتوى في المؤسسات المختلفة، لكن مما لا شك فيه أن تداول هذه الفتاوى بين العام والخاص له إيجابياته وسلبياته، وحول أبرز الإيجابيات قال منيب: يميز هذه الفتاوى أنها نتاج علمي لعمل جماعي وهيئات شرعية وليس لفرد واحد, كما أنها إجابات لبعض الإشكالات العملية الواقعة في مجال الصناعة المصرفية وليست افتراضات وهمية, إضافة إلى كونها تقدم الحلول والبدائل والأساليب للمستجدات في مجال الصناعة المصرفية ثم هي ثراء فقهي لا يستهان به, خصوصاً إذا ضمت إلى الأبحاث المقدمة إلى المؤتمرات والمجامع الفقهية المتخصصة.
كما أشار أشرف إلى بعض السلبيات التي ربما تنشأ, ومن أهمها تنزيل الحكم على واقعة مختلفة لعدم خبرة المتداول بهذه الفتاوى, كما أن كثيرا من هذه الفتاوى هو إجابات مقتضبة دون بيان لعلة الحكم, ما يصعب تطبيقه حتى على الحالات المشابهة.
وأضاف منيب: كثير من الفتاوى نتاج مراجعة لعقود خاصة بشروط خاصة لا يشترط وجودها في عقود أخرى لها الاسم نفسه, وأشار إلى أن الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية لا يتحقق بتتبع فتاوى هيئات الرقابة الشرعية المختلفة، إذ لكل هيئة فهمها وتطبيقاتها, وتابع منيب: لا بأس من طبعها والاستفادة منها مع الأخذ في الاعتبار الضوابط والشروط لاستخدامها فيؤخذ بها للاستئناس وليس للتطبيق المباشر ما لم تعرف علة الحكم, وقال أقترح توثيق الفتوى إذا طبعت بذكر المصادر أو المراجع المستند إليها ليسهل للباحث أو المراجع والمدقق الشرعي الرجوع إلى المصدر ومعرفة حكم حالته.
من جانبه, قال الدكتور أشرف دوابة أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الشارقة في الإمارات: أرى أن نشر المصارف الإسلامية الفتاوى الشرعية الخاصة بهيئة الرقابة الشرعية فيها أمر محمود لنشر ثقافة الاقتصاد الإسلامي، حتى إن تعارضت تلك الفتاوى، وعلل دوابة ذلك بأن هذا الأمر مفيد لعملاء المصرف وكذلك للباحثين، وأضاف: وإن كنت أتمنى أن تكون هناك هيئة رقابة شرعية في البنك المركزي تنسق تلك الفتاوى وتضع إطارا ومنهجا للعمل المصرفي الإسلامي (أسوة بنظام التعليمات المصرفية في البنك المركزي) تلتزم به المصارف الإسلامية في كل قطر ويراقب ذلك هيئة الرقابة الشرعية في البنك المركزي بصفة دورية، مع نشرها الفتاوى بصفة دورية, فضلا عن تجميعها ولو سنويا في كتاب يفيد الباحثين وجمهور المتعاملين.
وجاء رأي الدكتور عمر زهير حافظ موافقا لما قاله الدكتور أشرف, حيث قال: أؤيد طباعة الفتاوى لأنها من باب نشر العلم الشرعي، ولا شك أنها مفيدة للباحثين والعاملين في الصناعة، ولعملاء المصارف الإسلامية الحرصاء على متابعة الموضوع.
وأضاف إن كانت هناك من سلبيات فهي محاكاة الآراء الضعيفة والمتروكة وما يخالف الاجتهاد المجمعي المعاصر، ما قد يكون مشوشا على العامة, وقال حافظ أعتقد أن ما يضبط الموضوع قيام كل هيئة بالرجوع إلى الرأي المجمعي المعاصر، وليس الخروج بصيغ ضعيفة واتباع الساقط من أقوال العلماء مما لا يعبر عن مقاصد الشريعة ويضبط الفتوى بها, ولعل قيام البنوك المركزية بتعيين هيئة الرقابة المركزية يقلل ما يمكن من سلبيات.
من جانبه, قال الدكتور مستعين عبد الحميد المستشار في شؤون المصرفية الإسلامية:
أرى نشر الفتاوى الصادرة من الهيئات الشرعية للمصارف، أما الإيجابيات فهي تدعيم وتعزيز عنصر التفاعل مع الجمهور وغيره من ذوي العلاقة بالصنعة المصرفية، فالنشر يضفي نوعا من المصداقية والشفافية على أعمال المؤسسات المالية ويربط الجمهور بها.
وتابع: أيضا لا ننسى جانب المردود الثقافي العام والوعي الجماهيري الذي يمكن أن يعود به النشر على قطاع الصناعة المصرفية.
وقال مستعين: من جانب آخر, فإن أهم السلبيات التي يراها ملاك هذه المؤسسات هي الهدر المالي نتيجة نشر فتاوى تتعلق بمنتجات يرى هؤلاء أنهم بذلوا كثيرا من المال والجهد في تطويرها وإخراجها للناس، فتأتي مؤسسات منافسة لهم في السوق فتأخذها دون تكلفة.
وهذه الحجة ربما لا تصمد أمام النقد، فما من منتج من المنتجات المصرفية يطرح في السوق حتى لا يعود ـ آجلا أو عاجلا ـ سرا تجاريا بحكم التداول, ولعل أخطر ما يمكن أن يقال في هذا الجانب ليس عنصر الخسارة المالية التي ربما تلحق بهذه المؤسسة أو تلك, بل ما يترتب على النشر من قتل روح المنافسة الحيوية التي تحرك الإبداع والابتكار فيصار من ثم إلى تواكل المؤسسات بعضها على بعض والجمود وعدم الاجتهاد.
أيضا أيد الدكتور صلاح الشلهوب مدير مركز التميز للدراسات المصرفية والتمويل الإسلامي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن نشر هذه الفتاوى وعلل لذلك بأن عديدا من الأسباب تؤيده, ولعل من أهمها الشفافية, إضافة إلى تعميم الاستفادة للهيئات الشرعية بعضها من بعض, كما أن فيها استفادة ومعرفة الجهات الإعلامية والمتعاملين والباحثين عن مبررات القرار وأدلته, إضافة إلى جودة مخرجات هذه القرارات وشواهدها شرعا نتيجة لوجود الرقابة المجتمعية.
من ناحيته, قال نواف أبو حجلة المتخصص في شؤون المصرفية الإسلامية: أود أن أشير في هذا المجال إلى أن نشر الفتاوى الخاصة بالعمل المصرفي هو من الأمور التي أرى ضرورة قيام المصرف بها سواء كان ذلك من خلال المواد المطبوعة أو المواقع الإلكترونية وليس فقط الإشارة كما هو متداول إلى أن المنتج المطروح متوافق مع أحكام الشريعة أو مجاز من الهيئة الشرعية للمصرف.
وأشار أبو حجلة إلى أن أبرز إيجابيات هذا الطرح تتمثل في مصداقية البنك في علاقته بعملائه وإيضاح كل ما يجول بخاطرهم من حيث شرعية المعاملات وتوافقها مع أحكام الشريعة بناء على الفتوى الصادرة بذلك من الهيئة الشرعية للبنك, كما تعد الفتاوى المنشورة توثيقا تاريخيا للفترة التي صدرت فيها, وبالتالي الظروف المحيطة بها في هذا الوقت التي يمكن الاستعانة بها عند الحاجة إلى تعديل أو إعادة النظر فيها مستقبلا وبعد مرور فترة تاريخية معقولة بسبب تغير الظروف المحيطة، وهذا غير ممكن إذا ظلت هذه الفتاوى حبيسة الأدراج والخزائن المكتبية, كما تعد عند نشرها مرجعا مهما وخصبا للباحثين في التمويل المصرفي الإسلامي لإعداد وتجهيز الدراسات والبحوث من ناحية وإجراء المقارنات بين تطبيقات المصرفية الإسلامية المختلفة سواء على مستوى البلد الواحد أو على مستوى المناطق المختلفة.
كما أوضح ياسر الدهلوي المدير التنفيذي لـ «دار المراجعة الشرعية», أن أهم إيجابيات عملية نشر الفتاوى الصادرة من الهيئات الشرعية الإسلامية تتمثل في نشر الوعي والمعرفة بتطبيقات المصرفية الإسلامية لدى جمهور المتعاملين، ولا سيما لو تم نشرها مع شرح أو توضيح لضوابطها وكيفية تنفيذ المنتج المرتبط بها بالصورة المنضبطة شرعاً حسب قرار الهيئة الشرعية.
ويعد ذلك ـ من وجهة نظر الدهلوي ـ هدفا مهما لدعم وتطوير صناعة المصرفية الإسلامية وتعزيز الشفافية.
أما عن سلبيات هذا الموضوع، فيرى الدهلوي أن تعدد الهيئات الشرعية وتباين آرائها في بعض المواقف، ربما يسبب مشكلة للمتعاملين في الحالات التي يكون فيها اختلاف, وأضاف ياسر: من جهة أخرى, فإن رغبة المصارف التي تقدم منتجات وخدمات المصرفية الإسلامية في تطوير وطرح منتجات جديدة لزيادة قدراتها التنافسية يجعلها تتحفظ على نشر الفتوى, وبشكل عام فإن تلك السلبيات يمكن معالجتها.
فهيم حسين متخصص في الرقابة الشرعية من جنوب إفريقيا قال: أدعم فكرة نشر قرارات الهيئات الشرعية المتعلقة بالمعاملات المالية, خاصة المشتركة بين عديد من المصارف، لأن هذا من شأنه أن يعزز التوحيد في هذه الصناعة.
وأوضح فهمي: ذلك أن البنوك الأخرى التي تقدم المنتج نفسه أو ما شابه ذلك ستكون قادرة على التوصل إلى معرفة الأحكام في الممارسة العملية.
وهذا من شأنه حفز البحث والمناقشة حول القضايا ذات الصلة.
وبطبيعة الحال سيكون خاليا من نشر تفاصيل محددة تتعلق بأي صفقة سرية لدى المصرف.