دراسة: التمويل الإسلامي في أوروبا يفتقد رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد
البنوك المركزية في أوروبا تتسابق نحو المصرفية الإسلامية في الفترة الأخيرة.
عثمان ظهير من الرياض
يطمح كثير من المسلمين في أوروبا، خصوصا أبناء الأجيال الشابة، إلى التوجه نحو إنشاء شركات ومقاولات خاصة، قادرة على أن تفتح لهم آفاقا واسعة مقارنة بالوظيفة إن وجدت أو سمح لهم بالوصول إليها، كما يمكن أن تمنحهم قدرات أكبر في التأثير إيجابيا في محيطهم الأوروبي الذي ينظر إليهم بكثير من السلبية، انطلاقا من تجارب آبائهم المتواضعة التي استندت في الأساس، إما إلى عمل في أحد المصانع أو العيش على المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للفقراء.
لكن السنوات الأخيرة شهدت إقبالا ملحوظا من قبل الشباب المسلم على الاستثمار في القطاع الخاص وتأسيس المقاولات والمشاريع الخاصة، وهو ما يحمل ـ في رأي كثيرين ـ مؤشرا إيجابيا مهما فيما يتعلق بمستقبل الوجود الإسلامي في أوروبا, كما أن توسع الاهتمام بظاهرة التمويل الإسلامي من قبل المؤسسات المالية الأوروبية وانتشار البنوك الإسلامية على نطاق واسع شكلا حافزا مهما للمسلمين لمزيد الانخراط الإيجابي في الدورة الاقتصادية الأوروبية وتعزيز حضورهم.
د. محمد النوري
الدكتور محمد النوري رئيس المجلس الفرنسي للمالية الإسلامية أعد دراسة حول هذا الموضوع ورأت أن التمويل الإسلامي في أوروبا في حاجة إلى رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد, ورأت الدراسة أن الوجود الإسلامي يحتاج في أوروبا إلى رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد والجوانب، فقد أضحى هذا الوجود جزءا لا يتجزأ من الواقع الأوروبي الموحد، وهو يمثل اليوم ثقلاً بشرياً وحضارياً يستأثر باهتمام المخططين والاستراتيجيين على مستوى العالم الإسلامي، وعلى مستوى قادة الرأي والمسؤولين في المجتمعات الأوربية.
وقالت الدراسة إنه لا يمكن أن تترك الأجيال المسلمة في أوروبا اليوم في حالة التردد والاضطراب على الصعيد المالي والاقتصادي بين الجائز والمطلوب وبين الترخيص والتأسيس، إضافة إلى ما هي فيه من التشتت والانقسام إلى طوائف وتيارات على صعيد الواقع الثقافي والديني، بل إن ضرورة العمل الإسلامي تفرض على الجميع إيجاد رؤية استراتيجية لحماية الوجود الاقتصادي الإسلامي من التقوقع والتهميش والغوغائية المذهبية، وهي الرؤية التي يتم فيها توضيح الأولويات وبلورة الآفاق في إطار المنهجية الوسطية التي تخدم توطين الدعوة وتعزيز فرص تقبلها في تلك المجتمعات تماما كما حصل طوال التاريخ الإسلامي الطويل من انتشار الدعوة عبر الواجهة التجارية والمعاملات المالية والاقتصادية, ومن أغراض هذا التوجيه المطلوب ـ حسب الدراسة ـ المساهمة في العمل على بلورة رؤية أكثر واقعية للاحتياجات الإسلامية المتزايدة للمسلمين في المجتمع الأوروبي، مع تحديد لسلم الأولويات وترجمة ذلك إلى برامج ومشاريع واضحة وممكنة التطبيق, إضافة إلى الإسهام في توعية الرأي العام الإسلامي في أوروبا بأهمية التحدي الاقتصادي وحفزه على حشد الموارد اللازمة لمواجهته, كما يجب التركيز على بلورة موجهات استراتيجية في المجال الاقتصادي تكون بمثابة دليل مؤسساتي يساعد المسلمين على الاستثمار والنهوض بواقعهم المادي ودعم مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية دون الالتجاء إلى غيرهم، والخروج بالتالي من حالة التخلف الاقتصادي التي يعانونها, كذلك المساعدة على تطوير البنية المؤسسية للوجود الإسلامي في أوروبا بالشكل المتكامل والتخصصي, كما تحدثت الدراسة عن أسس التوجه وذكرت أن من أهمها الوعي التام بضرورة مثل هذا التوجيه وفاعليته في النهوض بالواقع الاقتصادي للوجود الإسلامي في أوروبا وتذليل العوائق النفسية والفقهية التي تعترض العاملين في المجال الاستثماري في أوروبا ووضع حد لحالة المراوحة والاضطراب في الموقف الفقهي المتردد في معالجة واقعية للإشكالات المطروحة وتأهيل العاملين في أوساط المسلمين الأوروبيين تأهيلا مناسبا لخوض هذه المهمة الاستراتيجية, إضافة إلى ترشيد التصرفات المالية والاقتصادية للمسلمين في أوروبا وتوجيه سلوكياتهم المتعددة على صعيد الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار توجيها محكما على غرار ما انتهجته بعض الأقليات العرقية والدينية الأخرى التي استطاعت بفضل وعي وتخطيط محكم من قبل قياداتهم الفكرية والدينية والسياسية أن تحتل موقعا مركزيا في النسيج الاقتصادي والمالي في البلدان الأوروبية والاطلاع العلمي والميداني على هذا الواقع الذي تعيش فيه الجاليات المسلمة في الدول الغربية وتفاعلاته، بمكوناته وإمكاناته وثرواته لاستكشاف خصوصيته، وما يحيط به من تحديات، من أجل بلورة خريطة اقتصادية واستثمارية تكون بمثابة الدليل الاستثماري للرساميل الإسلامية الوافدة على أوروبا من خلال بعث مؤسسة بحثية ودراسية متخصصة أو تشجيع المؤسسات القائمة على إنجاز هذا المطلب كما تحدثت الدراسة عن آليات هذا التوجه ورأت أن من أهم هذه الآليات العمل على إيجاد نوع من الشبكة المعلوماتية تربط بين الفعاليات والمنشآت والمؤسسات ذات الصبغة المالية والاستثمارية الموجودة في أوروبا مع صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الإسلامية في المشرق والعالم الإسلامي عموما في اتجاه إقامة شراكة استراتيجية بين البوابتين للأمة الإسلامية (الشرق والغرب), كما أن من المهم مواكبة الاتجاه المتزايد لمستثمري الخليج لتنويع محافظهم الاستثمارية في الخارج وانتقال الرساميل الإسلامية من السوق الأمريكية إلى الأسواق الأوروبية، بالتوازي مع ما تبديه البنوك التقليدية الغربية من اهتمام متزايد أكثر من أي وقت مضى بالتمويل الإسلامي, إضافة إلى تفعيل المؤسسات الإسلامية القائمة، وقيام مؤسسات استثمارية إسلامية وعربية تسهم في رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي وتزيد من تأثير الوجود الإسلامي وتعزز دوره ونشاطه مع ضرورة الحث على بعث شركات قابضة بين المسلمين في مختلف الأقطار الأوروبية من أجل توظيف الإمكانات وتعبئة المدخرات الذاتية التي يقدر حجمها بالملايين لو وجدت الوعاء الاستثماري الحلال لتجميعها وتوجيهها الوجهة المطلوبة لمصلحة الأفراد والجماعات على غرار ما تقوم به بعض الجاليات والجماعات الأخرى, ونوهت الدراسة إلى أن من الآليات المهمة إحياء نظام الوقف الإسلامي باعتباره مسلكا من أهم المسالك الاستثمارية الفريدة والمجدية التي تتيح كثيرا من الآفاق لتعبئة المدخرات وتطوير البنية الاستثمارية للوجود الإسلامي الأوروبي, ولا سيما أن مثل هذا النظام لا يواجه موانع قانونية أو عوائق إجرائية, بل أضحى وجهة الاهتمام حتى للمؤسسات والنظم الغربية التي وجدت فيه قطاعا حيويا ثالثا ومصدرا من مصادر تخفيف العبء المالي على الدولة.
كذلك طالبت الدراسة في هذا الصدد بضرورة إيلاء مزيد من الاهتمام بنظام الزكاة والعمل على استغلال هذه الفريضة المالية بشكل فاعل ومأسستها وحسن إدارتها وتنظيمها حتى تقوم بدورها في تنمية وتطوير الوجود الإسلامي في هذه الديار والإسهام في مواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة وتشجيع البنوك الإسلامية والرأسمال الإسلامي عموما على التفكير في إنجاز مشروع بنك إسلامي أوروبي يكون بمثابة بنك تنمية إسلامي على الساحة الأوروبية, وضرورة التسريع في مثل هذا المشروع واستثمار الفرصة المتاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى وعدم ترك هذا المجال فقط للآخرين.
ورأت الدراسة ألا تأتي أهمية هذا المشروع الاستراتيجي من حاجة المسلمين الموجودين في أوروبا إليه فحسب، إنما أيضا من تعاظم حاجة الإنسانية عموما إلى التمويل الإسلامي في إطار الميل المتزايد نحو كل ما يرتبط بالأخلاق والقيم والمعاملات الخالية من الربا الفاحش والاستغلال المقيت الذي قادت إليه الرأسمالية الوحشية المترهلة.